محمد بن جرير الطبري

10

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَاللَّهُ جل ثناؤه عَلى كُلِّ شَيْءٍ عملوه وغير ذلك من أمر خلقه شَهِيدٌ يعني شاهد يعلمه ويحيط به ، فلا يغرب عنه شيء منه ، القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ . . . بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فترى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من شيء ، لا يخفى عليه صغير كذلك وكبيره ؛ يقول جل ثناؤه : فكيف يخفى على من كانت هذه صفته أعمال هؤلاء الكافرين وعصيانهم ربهم ، ثم وصف جل ثناؤه قربه من عباده وسماعه نجواهم ، وما يكتمونه الناس من أحاديثهم ، فيتحدثونه سرا بينهم ، فقال : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ من خلقه إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يسمع سرهم ونجواهم ، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ يقول : ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم كذلك وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ يقول : ولا أقل من ثلاثة وَلا أَكْثَرَ من خمسة إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ إذا تناجوا أَيْنَ ما كانُوا يقول : في أي موضع ومكان كانوا . وعنى بقوله هُوَ رابِعُهُمْ بمعنى أنه مشاهدهم بعلمه ، وهو على عرشه ، كما : حدثنا عبد الله بن أبي زياد ، قال : ثني نصر بن ميمون المضروب قال : ثنا بكير بن معروف ، عن مقاتل بن حيان ، عن الضحاك ، في قوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إلى قوله هُوَ مَعَهُمْ قال : هو فوق العرش وعلمه معهم أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وقوله : ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ يقول تعالى ذكره : ثم يخبر هؤلاء المتناجين وغيرهم بما عملوا من عمل مما يحبه ويسخطه يوم القيامة إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول : إن الله بنجواهم وأسرارهم ، وسرائر أعمالهم ، وغير ذلك من أمورهم وأمور عباده عليم . واختلفت القراء في قراءة قوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ فقرأت قراء الأمصار ذلك ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى بالياء ، خلا أبي جعفر القارئ ، فإنه قرأه : " ما تكون " بالتاء . والياء هي الصواب في ذلك ، لإجماع الحجة عليها ، ولصحتها في العربية . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى . . . حَيَّوْكَ بِما . . . فَبِئْسَ الْمَصِيرُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى من اليهود ثُمَّ يَعُودُونَ فقد نهى الله عز وجل إياهم عنها ، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى قال : اليهود . قوله : ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ يقول جل ثناؤه : ثم يرجعون إلى ما نهوا عنه من النجوى وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يقول جل ثناؤه : ويتناجون بما حرم الله عليهم من الفواحش والعدوان ، وذلك خلاف أمر الله ومعصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَيَتَناجَوْنَ فقرأت ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين والبصريين وَيَتَناجَوْنَ على مثال يتفاعلون ، وكان يحيى وحمزة والأعمش يقرءون " وينتجون " على مثال يفتعلون . واعتل الذين قرءوه : يَتَناجَوْنَ بقوله : إِذا تَناجَيْتُمْ ولم يقل : إذا انتجيتم . وقوله : وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا جاءك يا محمد هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ، الذين وصف الله جل ثناؤه صفتهم ، حيوك بغير التحية التي جعلها الله لك تحية ، وكانت تحيتهم التي كانوا